ابن تيمية
70
مجموعة الرسائل والمسائل
ومن هنا ضلة القرامطة الغلاة كصاحب الإقليد وأمثاله فأرادوا أن ينفوا عنه كل ما يعلمه القلب وينطق به اللسان من نفي وإثبات ، فقالوا : لا تقول موجود ولا لا موجود ، ولا موصوف ولا لا موصوف ، لما في ذلك - على زعمهم - من التشبيه ، وهذا يستلزم أن يكون ممتنعاً وهو مقتضى التشبيه بالممتنع على الله أن يشارك المخلوقات في شيء من خصائصها ، وأن يكون مماثلاً لها في شيء من صفاته كالحياة والعلم والقدرة ، فإن وإن وصف بها فلا تماثل صفة الخالق صفة المخلوق كالحدوث والموت والفناء والإمكان . فصل وأما قوله : التعجب استعظام للمتعجب منه - فيقال : نعم وقد يكون مقروناً بجهل بسبب التعجب ، وقد يكون لما خرج عن نظائره ، والله تعالى بكل شيء عليم ، فلا يجوز عليه أن يعلم سبب ما تعجب منه بل يتعجب لخروجه عن نظائره تعظيماً له . والله تعالى يعظم ما هو عظيم أما العظمة سببه أو لعظمته . فإنه وصف بعض الخير بأنه عظيم . ووصف بعض الشر بأنه عظيم ، فقال تعالى ( رب العرش العظيم ) وقال ( ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم ) وقال ( ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً ، وإذاً لآتيناهم من لدنا أجراً عظيماً ) وقال ( ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم ) وقال ( إن الشرك لظلم عظيم ) ولهذا قال تعالى ( بل عجبت ويسخرون ) على قراءة الضم فهنا هو عجب من كفرهم مع وضوح الأدلة . وقال النبي صلى الله عليه وسلم للذي آثر هو وامرأته ضيفهما " لقد عجب الله " وفي لفظ في الصحيح " لقد ضحك الله الليلة من صنعكما البارحة " وقال " إن الرب ليعجب من عبده إذا قال رب اغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، يقول علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب إلا أنا " وقال " عجب ربك من شاب ليست له صبوة " وقال " عجب ربك من راعي غنم على رأس شظية ( 1 ) يؤذن ويقيم فيقول الله انظروا إلى عبدي " أو كما قال ونحو ذلك .
--> ( 1 ) الشظية قطعة مرتفعة في رأس الجبل وأصلها الفلقة المكسورة من العصا أو العظم أو الصدفة وغيرها مما ينكسر ويتشظى